الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

93

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير . وأي فوز أرقى وأسمى من الوصول إلى جوار الله ، والتمتع في نعيمه الذي لا يوصف ! نعم ، فمفتاح ذلك الفوز العظيم هو ( الإيمان والعمل الصالح ) ، وما عداه فروع لهذا الأصل . عملوا الصالحات : إشارة إلى أن العمل الصالح لا يختص بشئ محدد ، بل ينبغي أن يكون محور حياة الإنسان هو : " العمل الصالح " . " ذلك " : إشارة للبعيد ، واستعملت هنا لتبيان عظمة وأهمية المشار إليه ، أي : إن فوزهم الكبير من عظمة الشأن ، بقدر لا يخطر على بال أحد . ويعود القرآن مرة أخرى لتهديد الكفار الذين يفتنون المؤمنين ، فيقول : إن بطش ربك لشديد . ولا تظنوا بأن القيامة أمر خيالي ، أو إن المعاد من الأمور التي يشك في صحة تحققها ، بل : إنه هو يبدئ ويعيد . " البطش " : تناول الشئ بصولة وقهر ، وباعتباره مقدمة للعقاب ، فقد استعمل بمعنى العقاب والمجازاة . " ربك " : تسلية للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وتأكيد دعم الله اللامحدود له . والجدير بالملاحظة ، إن الآية تضمنت جملة تأكيدات ، لتبيان صرامة التهديد الإلهي بجدية وقطع . ف‍ " البطش " يحمل معنى الشدة المؤكدة ، والجملة الإسمية عادة ما تأتي للتأكيد ، ووصف البطش بأنه " شديد " ، وكذا وجود " إن " ، ووجود لام التأكيد في " لشديد " ، هذا بالإضافة إلى التأكيد المتضمن في قوله تعالى : إنه يبدئ ويعيد كدليل إجمالي على المعاد ( 1 ) .

--> 1 - وهذا يشبه دليل الآية ( 79 ) من سورة " يس " : قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ، يقال : إن الفارابي تمنى لو كان أرسطو " الفيلسوف اليوناني المعروف " حيا ليرى جمال هذا الدليل المحكم في القرآن الكريم .